الغزالي
385
إحياء علوم الدين
الثالث : أن لا يخرج بدلا باعتبار القيمة ، بل يخرج المنصوص عليه ، فلا يجزئ ورق عن ذهب ولا ذهب عن ورق ، وإن زاد عليه في القيمة . ولعل بعض من لا يدرك غرض الشافعي رضي الله عنه يستأهل في ذلك ويلاحظ المقصود من سد الخلة ، وما أبعده عن التحصيل ، فان سد الخلة مقصود ، وليس هو كل المقصود ، بل واجبات الشرع ثلاثة أقسام : قسم هو تعبد محض لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه ، وذلك كرمى الجمرات مثلا ، إذ لا حظَّ للجمرة في وصول الحصى إليها ، فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل ليظهر العبد رقه وعبوديته بفعل ما لا يعقل له معنى ، لأن ما يعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه ويدعوه اليه فلا يظهر به خلوص الرق والعبودية ، إذ العبودية تظهر بأن تكون الحركة لحق أمر المعبود فقط لا لمعنى آخر ، وأكثر أعمال الحج كذلك ، ولذلك قال صلَّى الله عليه وسلَّم [ 1 ] في إحرامه : « لبّيك بحجّة حقّا تعبّدا ورقّا » تنبيها على أن ذلك إظهار للعبودية بالانقياد لمجرد الأمر وامتثاله كما أمر من غير استئناس العقل منه بما يميل إليه ويحث عليه القسم الثاني : من واجبات الشرع ما المقصود منه حظ معقول وليس يقصد منه التعبد كقضاء دين الآدميين ورد المغصوب ، فلا جرم لا يعتبر فيه فعله ونيته ، ومهما وصل الحق إلى مستحقه بأخذ المستحق أو يبدل عنه عند رضاه تأدى الوجوب وسقط خطاب الشرع . فهذان قسمان لا تركيب فيهما يشترك في دركهما جميع الناس والقسم الثالث : هو المركب الذي يقصد منه الأمران جميعا وهو حظ العباد وامتحان المكلف بالاستعباد ، فيجتمع فيه تعبد رمى الجمار وحظ رد الحقوق . فهذا قسم في نفسه معقول ، فان ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين ، ولا ينبغي أن ينسى أدق المعنيين وهو التعبد والاسترقاق بسبب أجلاهما ، ولعل الأدق هو الأهم . والزكاة من هذا القبيل ، ولم ينتبه له غير الشافعي رضي الله عنه ، فحظ الفقير مقصود في سد الخلة وهو جلى سابق إلى الأفهام ، وحق التعبد في اتباع التفاصيل مقصود للشرع ، وباعتباره صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج في كونها من مباني الإسلام ولا شك في أن على المكلف تعبا في تمييز أجناس ماله وإخراج حصة كل مال من نوعه وجنسه وصفته ، ثم توزيعه على الأصناف الثمانية كما سيأتي ،